fbpx
مقالات رأي

الاقتتال القبلي في دارفور.. نظرية المؤامرة والاستهداف

ربما كثيرون ليست في جعبتهم  معلوماتٍ ذات أهمية “جيو استراتيجية لإقليم دارفور” ولعل افتقارهم لتلك المعلومات أفقدهم الإلمام الدقيق بل تفسير ما يدور من احداث دامية في الإقليم ، إذ أن منطقة دافور؛ تقع في الجزء الغربي للسودان وتُقدر مساحتها 493.180 كليو متر مربع حيث كثراُ تُقارن مساحتها بمساحة دولة فرنسا او أسبانيا ،وهذه المساحة الشاسعة أكسبت المنطقة الكثير من المميزات حيث  تجاور العديد من الدول “تشاد وليبيا ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان” تلك الميزات الخارجية ، أما داخلياً فيجاور الاقيلم كل من  اقاليم كردفان الي جانب إقليم شمال البلاد.

ويعتبر التكوين الديموغرافي لدارفور معقدٌ للغاية ومتداخل ويقدر عدد السكان بحوالي 7,5 ملون نسمة ؛ يتوزع هذا العدد الكبير من السكان على  خمسةِ ولايات وذلك الرقم الكبير ذا تعدد وتنوع اثنى كبير لدرجة أن توجد قوميات مشتركة لسكان دارفور وسكان دول الجوار يفوق عددها العشرون قومية بحيث تنقسم أنماط الاقتصاد إلى مجموعات زراعية واخرى ورعوية.

واما الصراع القبلي فى المنطقة فهو صراعٌ قديم ٌ متجدد ويتم التعاطي معه في إطار العرف الاهلي والادارة الأهلية مما اسهم في الانسجام والانصهار بين العديد من القبائل لكن في مطلع الثمانينات انتقل ميدان المعركة بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي إلى دارفور لقد دعم حزب الأمة بزعامة الإمام الراحل الصادق المهدي المجموعات الرعوية ودعم الحزب الاتحادي بزعامة مولانا محمد عثمان الميرغني مجموعات المزارعين وعندئذ بدأ فصل جديد من دعم القوي الحزبية للصراعات الأهلية مما يعكس صورة سالبة ومتناقضة لمفهوم الحزب السياسي المنوط به صهر التناقضات الاجتماعية في أطر برامجية وعقدية، بيد أن في حقبة نظام المؤتمر الوطني المحلول اُستُخدِم الصراع القبلي كآلية فعالة ونافذة لتصفية الحركات المسلحة باعتبار استراتيجية الحرب في دارفور في ذلك الحين تختلف عن الحرب في جنوب السودان الحرب في مناطق  جبال والنيل الأزرق؛ فضلا عن أن الحركات المسلحة لم تستوعب التنوع الدار فوري في هياكلها خاصة  حركتي حيش تحرير السودان والعدل والمساواة لدجة أن الإتهامات ظلت تطالهم حيث ان تلك الحركات متهمة  بتصفية قيادات رصينة وذات ثقل كبير فى ذلك الوقت  كالصحفي حسن مانديلا إلي جانب تهميشها لقيادات كبيرة داخل هياكلها كل ذلك غير متماسكة طويلاً سرعان ما حدثت الانشقاقات نسبة لغياب مشروع سياسي واضح وانكفئت قبلياً حينئذ وجد النظام المُباد الفرصة الملائمة له لمواجهة استراتيجية حرب العصابات التي تستخدمها الحركات المسلحة وفشلت القوات المسلحة في كبح جماحها وترويضها فعمل على تسويق فكرة ان الحركات تستهدف المجموعات الرعوية العربية فتحولت الحرب إلى صراع وجودي وبوعي او دونه أكدت الحركات  الأقوال عن طريق الانتهاكات والممارسات القمعية، فانخرطت بعض المجموعات الرعوية في حملة التسليح الحكومي رغم رفض البعض كان ذلك عبر بوابة الدفاع الشعبي ومن بعد حرس الحدود حتى شُرعنته في العام 2013 بإجازة قانون قوات الدعم السريع واقرته الوثيقة الدستورية أغسطس 2019 م وكانت  الرؤية تقسيم المجتمع الدار فوري إلى “عرب وزرقة” ولعل انهيار اتفاقية ابوجا للسلام 2006 عقب التوقيع عليها كان بمثابة ادراك للصراع وما يحدثه فى مقبل الايام حيث ادرك ابناء دارفور بأن ما يجمعهم اكثر مما يفرقهم.

وعقب ذلك تحولت استراتيجية الالهاء إلى الخطة الثانية بافتعال الصراع حول الأرض والحواكير والموارد فبدأت مرحلة جديدة من الاقتتال القبلي تورط فيه الجميع، وكانت تدار الحروب بين مجموعات “رعوية ورعوية ومزارعين  ،ورعاة ومزارعين” بشكل يختلف عن الحروب التاريخية التي قامت بين الرعاة والمزارعين؛وفي ظل انتشار السلاح وسهولة الحصول عليه كانت الخسائر فادحة ، واعتقد أن الصراع القبلي في دارفور متورطة  فيه قوى سياسية وقيادات عسكرية وأمنية؛ ولايمكن باي حال من الأحوال الوثوق بالدعم السريع باعتباره جزء من الازمة وعناصره فاعلة في الاقتتال القبلي منذ قبل التغيير الذى حدث في البلاد  وبعده؛ سواء كان ذلك في جنوب اوسط   او غرب وحتى شمال دارفور فالأحداث التي عقبة اتفاقية جوبا احرجت الحركات المسلحة لشئين اولهما دخول الحركات في تحالف مع الدعم السريع والأحداث الأخيرة أثبتت بأن هناك عناصر فاعلة  في الاقتتال القبلي من الدعم السريع وحتى وضعية الدعم السريع في اتون المجاهيل،وثانياً في ظل غياب برنامج واضح  يعيد النازحين واللاجئين إلى مناطقهم ويحقق العدالة الانتقالية؛ لا يمكننا إسقاط ما يحدث في دارفور من اقتتال قبلي في صياغ نظرية المؤامرة والاستهداف ؛إنما ينبغي الإشارة إلى عوامل داخلية مؤثرة في استدامة الصراع القبلي من بينها عدم قبول الاخر والاعتراف بحقوقه فضلاً عن رغبة البعض باختطاف حق التمثيل السياسي لدارفور.

 لذا أؤكد بأن قضايا الاقتتال القبلي في دارفور علاجها بناء مجتمع منسجم يرتبط بإرادة سياسية وأفعال على أرض الواقع إلى جانب اعادة صياغة الأجهزة العسكرية والأمنية (الجيش والشرطة والمخابرات) بدمج كل الجيوش. وتطوير ونشر الأجهزة المنوط بها تحقيق الأمن والعدالة كالشرطة والنيابات والسلطة القضائية في المحليات والوحدات الإدارية، كما أن لإشاعة ثقافة السلام  دورٌ فاعل وذلك عبر الجهات المختصة كمراكز السلام في الجامعات والمنظمات الطوعية  الدافورية ، وأهم شيء في كل ذلك إعادة النظر في مسألة الحواكير وتقييد سلطات الإدارات الأهلية.

المصدر: رأي اليوم

next news الخبر التالي

مقالات ذات صلة

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى