fbpx
مقالات رأي

بعد إحدى عشرة سنة.. لساها ثورة يناير

ذكريات الثورة

كأغنية جميلة لأم كلثوم في ساعة مغربية في صيف حار تتنسمه نسمات باردة تتوق لها الأرواح من قيظ حر أغسطس، مرت علينا ثورة الحرية والكرامة في يناير 2011 لتحفر في وجداننا جدارية خالدة كتلك التي نحتها الفراعنة لتخلد أعمالهم منذ آلاف السنين وتشهد لهم على أمجاد صنعوها وحضارة شيدوها، وهنا وبالمناسبة، لم أقرأ في يوم من الأيام تلك الجداريات أو المسلات على أنها تمجيد لملك أو فرعون، بل كنت دوما أقرأها على أنها تخليد لحقبة شارك في صنع حضاراتها الجميع.. الفلاح والعالم، والبناء والمهندس، والفلكي والكاهن، العسكري والقائد، منظومة كاملة جاء على رأسها بالصدفة هذا الملك أو ذاك، لكن مجدا قد صنعه شعب، ولزاما أن يمثله شخص، اختصارا ليس إلا..

عود على بدء، والبدء من قبل يناير بسنوات، البدء بنضال عمال المحلة والحركة المصرية من أجل التغيير(كفاية) والجمعية الوطنية للتغيير واعتصامات عمال الحديد والصلب والكوك والمراجل البخارية أمام مجلس الشعب، وقبل كل ذلك نضال الأساتذة مجدي حسين وعبد الحليم قنديل وغيرهما من أجل كشف فساد وعوار المنظومة الحاكمة..

مرحلة أخرى بالتوازي قادها الدكتور أيمن نور بحزبه وجريدته لمنهج هذه الضربات الكاشفة وكثفها في جريدة حققت مبيعاتها ما يقارب الصحف القومية الكبيرة، ما أشر إلى حقيقة ميول الشعب وتوجهاته الرافضة لسياسات المنظومة الحاكمة، وفي الظل كان نضال الجماعات الإسلامية التي اتخذت من التربية تارة ومن النضال السياسي عبر أطره الدستورية تارة أخرى لمكافحة تلك المنظومة الفاسدة الباطشة لتمهد جميعا لثمانية عشر يوما عاشتها مصر في المدينة الفاضلة، التي رمزت لها الثورة بميدان التحرير.

وكما عشت في التحرير، عاش غيري نفس الأجواء في الإسكندرية عند القائد إبراهيم وفي السويس عند الأربعين والاسماعيلية عند الممر وغيرها من المحافظات التي رأت أجمل ما في مصر من أخلاق ورقي وفن وأدب، كلنا رأينا مصر الحقيقية، مصر التي لا تظهر على التلفاز، فمصر التلفاز هي مصر المبتسرة، مصر المشوهة، التي لا يرون غيرها ويريدون أن تكوَّن الصورة الذهنية عنها بهذه الطريقة، في ميادين الثورة عرفت وعرف المصريون مصر الحقيقية أفكارا وإبداعا وفنا وثقافة وأدبا وخُلقا وتعاونا يملأه الحب، فكانت مصر التي نريد، لا مصر التي يصنعون. 

الثورة التي عشتها وعاشها معي الملايين

إحدى عشرة سنة من عمر ثورة يناير بدأت بالأمل وتخللها العمل، في قرابة ثلاث سنوات عشت المعنى الحقيقي للثورة، ذلك الفوران الذي ضرب جسد الوطن فأصابه بالحمى نتيجة تنازع قوى الخير والشر، وصراع الثورة والثورة المضادة، كما تدافع الأجسام المضادة الفيروسات فينبئ الجسم عن خطرها بحرارة كرسالة مفادها أن استقووا كي ندفع خطر الفيروسات.

قرابة الثلاث سنوات لم أنم وعشرات الآلاف مثلي فيها إلا سويعات من ليل، نقضي أوقاتنا في التفكير والعمل من أجل مصر التي استردت، أو على الأقل كنا نظن ذلك في حينها، والتي تحتاج الكثير من “كنس” وسخها وتطهير جسدها من تقيحات نظام يوليو الممتد بصورته المدنية بعد أن خلع ملابسه العسكرية ليموه على الشعب، متقاسما في ذلك مع من لم يخلع ملابسه العسكرية إرثا من الاستعباد ومص الدماء وسرقة خيرات البلاد.

بين عمل ثوري في الشارع يناهض الثورة المضادة التي كشفناها بعد كلمة عمر سليمان بتنحي المخلوع مبارك وتولية المجلس العسكري الوجه الآخر لعملة يوليو لمقاليد الأمور في البلاد، وبين عمل توعوي بندوات ومحاضرات ومنشورات وكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومناظرات وتطمينات وبث الأمل من أجل تثبيت الثوار ودعوة من لم يلحق بقطار الثورة لأن يركب، كانت ساعات النهار والليل تقضى، زاد عليها عمل حزبي يأمل في ترتيب البيت سريعا لصناعة الاستقرار المنشود للغالبية العظمى من الشعب التي لا تعرف معنى الثورة وتتوجس منها، والمدفوعة بإعلام ظل يبث سمومه ضد الثورة رغم انتصار الميادين على القصور.

في التجربة الحزبية اقترحت مركزا لدعم العمل الحزبي داخل البرلمان، قدمت المشروع لأمين عام الحزب ومساعده، وكانت الاستجابة رائعة والدعم غير محدود رغم الإمكانيات الضعيفة، لكن الأمل كان أكبر من أن توقفه إمكانات، والسعي لمأسسة النظام، رآه من أقر المشروع بداية لتجربة يمكن تعميمها لمأسسة مصر، كنت على رأس المشروع كتبت تفاصيله وحددت أهدافه ورسمت طرق عمله ووضعت معاييرا لاختيار العاملين فيه، من دون واسطة ولا محسوبية، دعمني في ذلك أمين عام الحزب، والمفاجأة أن أحدا ممن تقدموا للعمل في المركز من أبناء الحزب وقع عليه الاختيار، رغم أن الحزب مليء بالكفاءات، واختارت لجنة القبول العاملين في المركز من النابهين من أبناء هذا الوطن، ورغم اختلاف توجهاتهم إلا أنهم عملوا من اجل مصر لا من اجل الحزب، وهو اتفاقنا في أول اجتماع لنا بعد أن تشكل الفريق، حقق المركز بعدها نجاحات شهدت لها الأحزاب في البرلمان قبل قادة الحزب، والشاهد أن الدافع في هذا النجاح وساعات العمل غير المحدودة كان يملأها الحب والأمل من أجل مصر الجديدة التي تبنى، وكما كان ذلك المركز نموذجا لخلع الإيدلوجية من أجل مصلحة الوطن، كان من معي في المركز من زملاء وكان ملايين المصريين يعملون من أجل هذا الوطن قبل أن ينزغ الشيطان بين أخوة الوطن. 

ذروة الصراع في محاولات الطمس

تظهر ذروة الصراع بين قوى الخير والشر، بين الثورة والثورة المضادة في جدلية تعريف يناير، هل هي ثورة أم انتفاضة أو هوجة، دار الجدل بعد أن استقر الأمر، وقتيا، للثورة المضادة، فمنذ 2013 والجدل دائر حول تعريف ما جرى في يناير 2011 هل كان ثورة أم انتفاضة أم هوجة كما هوجة عرابي، التي خرج إبراهيم عيسى ليشوهها هي الأخرى ليدمر كل ثوابت هذه الأمة وليشارك في مسخ شخصيتها وهويتها ورموزها ليدخل المواطن المصري في دوامة البحث عن الذات، فقد قال عيسى في إحدى حلقاته عام 2017 إن أحمد عرابي لم يقف أمام الخديوي توفيق ولم يذهب إلى قصر عابدين، أصلا، وأن هذا المشهد الذى ندرسه في التاريخ، لم يحدث بالأساس، وأن عرابي حوكم بعد أن فشل لأنه أراد جر البلاد إلى الفوضى.

ومنذ اليوم الأول للانقلاب وجوقة النظام الإعلامية مستمرة في العزف على وتر تشويه الثورة، وهي عادة فرعونية توارثها العسكر، فلقد أنفقوا الملايين على الأفلام والأغاني من أجل تشويه الملك، كما كان يطمس الفرعون اسم من سبقه ليضع اسمه على إنجازاته، ناسيا أن ما أنجز من قبله هو نتاج جهد شعب لا فرد، غير أن عقلية الدكتاتور لا ترى إلا نفسها، وعقلية المنتفع لا ترى إلا مصالحها، والهدف هو استقرار الدكتاتور حتى تظل المصلحة، ناسيا هو ومن يدعمه أن الشعوب هي الباقية والتاريخ مهما شابته الأكاذيب فإن الشعوب الحية ستروي حقيقته وتعري الكذبة.

الناظر لخطاب النظام الحالي يرى الدق بقوة على نبرة الفوضى التي أحدثتها يناير، وبغض النظر عن أن يناير هي من أوصلته بعد أن أزاحت النظام السابق، وما كان ليستطيع لولا ثورة الشعب، فإن علماء النفس يؤكدون أن خوفك من الشيء يجعل اللاوعي يدفعك لتذكره دوما، وتتحدث عنه، وتحاول تشويهه وتسفيهه وهو في قلبك عظيم.

لكن العتب كل العتب على من هانت الثورة في قلبه وتتاح له المنابر ليكتب أو يتكلم، ومن قبل هؤلاء من هدَّأ نار الثورة متيحا الفرصة للتصالح المصالح ولتفرض الدول شروطها ويحكم النظام قبضته، وإن كان الإحكام صوريا، والقبضة الأمنية كما خيال المآتة، فزاعة من قش، لو ملكنا زمام أمرنا وأطلقنا صرختنا، لكن اليد الموضوعة على أفواهنا يجب أن تزاح أولا، ومن ثم ننظم صفوفنا لننطلق لاستعادة بلدنا الذي سرق، ونصنع الوطن الذي حلمنا به، وطن يعز فيه الشريف، ولا فضل فيه لغني على فقير ولا لكبير على صغير، إلا بما يقدم لرفعة هذا الوطن.  

بعد إحدى عشرة سنة .. لساها ثورة يناير

لساها ثورة يناير رغم نبرة التخويف والتسفيه والتهوين من ثورة يناير المصحوبة بموجة البطش والعنف والتهديد بالتنكيل، لن تميت ثورة يناير ولن تدفنها، وطول الزمن وبعد المسافات لن يطفئ جذوة الثورة في قلوب الثوار، وكبر السن ومرور العمر لن يمنع من أن نورث تلك الثورة لأبنائنا ليحملوا راية الحرية التي رفعت في التحرير منذ إحدى عشرة سنة ولم تنزل وإن خفتت، إحدى عشرة سنة ونتغنى بأغاني الثورة ونروي تفاصيلها لأبنائنا وسنظل، إحدى عشرة سنة ونربي أبناءنا على حلم العودة لتخليص مصر من احتلال الوكالة، ونظام العمالة، لبناء مصر المأمولة، ونعيد لها هويتها المطموسة ونمكن الكفاءات ونزيح الروابض، ونغرس فيها المحبة مرة أخرى، فلم تكن ثورة يناير كما يقول ويكرر رأس النظام:( إن ما حدث في 2011 هو علاج خاطئ لتشخيص خاطئ، فالبعض قدّم للناس صورة عن أن التغيير من الممكن أن يحدث بهذه الطريقة).

فالتشخيص صحيح والعلاج صحيح ويمكن تكرار الجرعة، وإن كان الجسد لا يستجيب فسنأخذ بنصيحتك وسنقدم علاجات جديدة للتغيير تكون أكثر نجاعة وتقضي على المرض وتخلص الجسم من الفيروسات التي أصابته فسيطرت عليه، فإيماننا بالتغيير سيجعلنا نبدع من أجل إيجاد وسائل أخرى لمعالجة الوطن مما أصابه، فلم يفقد المصريون الأمل في التغيير، ولم تمت ثورة يناير، على الرغم من خطة التشويه المستمرة على مدى أحد عشر سنة، فروح الثورة حاضرة وباقية في عقول وأذهان المصريين، بل ويؤمن بها من كان كافرا بها من قبل، بعد أن كشف الله عنه غطاءه فأصبح بصره على الحقيقة حديد، فكل الوعود تأكد كذبها، ومصر أم الدينا لم تصبح قد الدنيا، كما قال، بل أصبحت خادمة لإمارة لا يتعدى حجمها ولا سكانها شارعين في حي شبرا، وأصبح مد اليد من أجل الهبات هو الأصل وزاد الفقر وزادت المهانة وذل الشعب بعد أن كان عزيزا بثورته، وصنع جمهورية للخوف، ولن يفلح الخوف مهما مضى.

سلام على المؤمنين بيناير، سلام على من يحلمون بوطن حر يملك قوته وكلمته، سلام على من يرفضون الفساد والقمع والقهر، سلام على يقف أمام الاستبداد والسرقة والنهب، سلام على من يزرع بذرة الثورة في ضمير أبنائه، سلام على من يؤمنون بهذا الشعب ويقدر إمكانياته ولازال متمسكا بحريره، وسلام على شهداء يناير وما بعدها.. ولساها ثورة.

next news – الخبر التالي

مقالات ذات صلة

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى