fbpx
مقالات رأي

أوكرانيا حرب الفرص (1) بقلم: ياسر عبد العزيز

من الطبيعي أن تؤرخ الحرب في أوكرانيا بيوم 24 فبراير الماضي، أو قبله بـ3 أيام أي يوم 21 من الشهر نفسه، حين بدأ الحشد الروسي على الحدود واعترفت موسكو ب‍ـ”جمهوريتي” دونيتسك ولوغانسك، لتنطلق بعدها أول رصاصة عقب خطاب بوتين الذي أعلن فيه عن عملية عسكرية بهدف ما سمّاه: تجريد أوكرانيا من السلاح وإزالة أثر النازية منها.

روسيا.. الإعداد للحرب ومبرراتها

لكن الحرب المؤرخ لها بيوم 24 فبراير الماضي بدأت منذ سنوات، وكان أحد مواقعها العسكرية وضع روسيا يدها على جزيرة القرم، وتدخلها في كازاخستان بعدها، ومن قبلهما في جورجيا وإن كان الأمر أبعد، ويرجع -في تقديري- إلى يوم تولي بوتين السلطة، فالرجل الذي شهد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك مكوناته، ورأى الروس وهم في طوابير ينتظرون دورهم ليتذوقوا ساندويتش برغر من “ماكدونالدز” (McDonald’s)، وعاصر عن قرب هوان يلتسين، راوده حلم -وهو حق مشروع- أن تكون بلاده ذات مكانة من جديد؛ لذا، فإن حلم روسيا سوفياتية جديدة يعد فزاعة غربية لا أكثر، والمنطق يتحدث عن حق مشروع في دولة كبيرة قوية، تناهض محاولات الإضعاف والتفكيك لكيان يضم 85 كيانا فدراليا يسكنها 160 مجموعة عرقية، لذا فإن الصراع ممتد، لا سيما بعد محاولات الغرب الاقتراب أكثر من حدوده، مع ذلك فإن نظرة “روسيا بوتين” لنطاق أمنها القومي قد يدفع للنظر إليه من هذا المنظور.

لذا فإن الاستعداد لحرب أوكرانيا المؤرخ لها منذ شهر تقريبا كان منذ سنوات، مدفوعا بمخططات الإستراتيجيين في روسيا الحالمة بدور أكبر هيأته لها 9 سنوات من الازدهار الاقتصادي، فبسبب إعادة إدارة الموارد والاستفادة منها، وبقوة ناعمة يدعمها ملف الطاقة، استطاعت روسيا أن تجعل الغرب الأوروبي يعتمد بحصة غير قليلة -في تحريك مقومات الحياة فيه- على النفط والغاز الروسي، كما استطاعت أن تحافظ على الإرث السوفياتي بحصته في غذاء العالم، لا سيما ذلك القطاع المهم من الشرق الأوسط منافسها التقليدي في توريد النفط للغرب.

وعلى صعيد التكتلات، استطاعت “روسيا بوتين” أن تدخل في تحالفات سياسية واقتصادية تكون لها حدائق خلفية ومتنفسا من العقوبات المتوقعة إن هي بدأت خطتها لاستعادة المكانة المأمولة في مخيلة الإستراتيجيين الروس، من أهمها منظمة “شنغهاي للتعاون”، ومنظمة “أوبك بلس”، وللأخيرة دور لا يستهان به في الحرب القائمة الآن، بعد أن استطاعت روسيا -برغبة من دول خليجية كبيرة- تفعيل دور المنظمة وإحياءها بعد موات، كل ذلك وغيره الكثير مؤشرات لمفهوم بوتين عن أمنه القومي.

وقفة قصيرة لواحدة من أهم الوثائق التي أقرها بوتين مع بدايات حكمه ستكشف الكثير مما يحدث الآن، إذ تحدد هذه الوثيقة نظرة “روسيا بوتين”، إذ ترى الوثيقة أن أمن روسيا القومي منطلق من مفهوم الدفاع عن المجال الحيوي للدولة، وهو ما يستوجب الاستعداد الدائم، ليس دفاعيا فقط، لمواجهة التغيرات الجيوسياسية المحيطة بفعل العدو التقليدي قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، فالثورات الملونة فعلت بالمُخطِط الإستراتيجي الروسي، مما يجعله ينظر لها بعمق أكبر مع توجس كبير ألا تتكرر، لا سيما وأن الفعل الغربي مستمر والخطر متقدم، بحسب وجهة نظرهم، لذا تجد أن فعل روسيا قوي في بيلاروسيا وكازاخستان مثلا.

فموسكو تولي اهتماما كبيرا، وفق الوثيقة للمرحلة الأولى من الحرب، ضمن إطار التحرك لمنع أي خطر وشيك، مما يستلزم تحصين الدفاعات، حتى لو استلزم الأمر وجودا للقوات الروسية في أي جبهة تتوقع أن تمثل ثغرة لأعدائها، مما يعني أن الحرب في عقيدة موسكو الأمنية تبدأ من خارج الحدود، وهو ما يعني عدم السماح بأي خلل داخلي، ويفسر القبضة الأمنية والسيطرة الإعلامية للقيصر في الداخل.

لقد رسم بوتين -كما يقول تقرير لمعهد “كارنيغي”- خطا وهميا حول روسيا الجديدة، هذا الخط غير موجود عمليا، لكنه من الأهمية بمكان لتحديد معالم النظام الدولي وعلاقة “روسيا بوتين” به، في ذلك الخط الذي رسمه بوتين يحدد القيصر حدود المخاطر التي تتهدد بلاده وهو ما يفسر ما قلناه من تدخل روسيا في جورجيا وكازاخستان والقرم ثم أوكرانيا الآن، ولعل المرسوم الذي وقعه بوتين عام 2015 يؤكد منهجه ويثبت أنه ماض في ما خطه في بداية حكمه لروسيا، وفي ما يلي بعض البنود التي جاءت في المرسوم:

  • العالم المعاصر يمر بمرحلة تحول مع زيادة خطر تحول نزاعات مسلحة إلى حروب إقليمية ستشمل، خاصة، دولا ذات ترسانات نووية.
  • بعض الدول تبذل جهودا لتأجيج عمليات تفككية داخل رابطة الدول المستقلة، بهدف تدمير روابط روسيا مع حلفائها التقليديين.
  • من حق روسيا اتخاذ إجراءات مناسبة وغير مناسبة لمنع وإحباط أي أعمال غير عدائية تشكل خطرا على سيادتها ووحدة أراضيها.
  • إنتاج اللقاحات الوطنية يمثل أحد أساليب تحقيق الأمن الاقتصادي للدولة الروسية.

هذه المقتطفات من وثيقة الأمن القومي تعكس المخاوف والهواجس التي تشكل عقلية متخذ القرار وتدفعه لما يقوم به الآن من تحركات، يراها البعض فعل، ويراها هو بحسب التكوين الفكري رد فعل، ففي البند الأخير الذي أوردناه من المرسوم -الذي وقعه بوتين عام 2015- يتحدث عن إنتاج اللقاحات، وكأن هاجس الوباء الذي يضرب العالم كان حاضرا بشكل أو بآخر قبل انتشار جائحة كورونا في العالم بنحو 5 سنوات، فحديث روسيا عن معامل لتحضير فيروسات أميركية في أوكرانيا في إطار حرب بيولوجية يأخذنا لما هو أبعد من انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي وذراعه المسلح حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وبعيدا عن مدى مصداقية وجود تلك المعامل والمختبرات التي تجزم روسيا بأنها موجودة وتحفظت على منتجات منها، تمثلت في طيور تحمل فيروسات، من عدمه المتمثل في إنكار واشنطن للمزاعم، فإن روسيا ترى في حربها في أوكرانيا وهدفها الموضوع من وجوب إسقاط النظام في كييف الموالي للغرب وفتح أبوابه لهذه الأسلحة، مشروعا بالنسبة لموسكو، لذا وجدت روسيا تلك المعامل والمختبرات فرصة لإبعاد خطر تراه داهما، يتمثل في النظام الحاكم في كييف بعد سقوط حليفها فيكتور يانكوفيتش عام 2014، وعزم زيلينسكي على جلب أعداء روسيا التاريخيين إلى حدوده.

لكن الحرب في أوكرانيا حملت فرصا لأطراف عدة، ومنها من هو مؤثر ومتأثر بشكل مباشر، ومنها من تعد الحرب له فرصة وهو في أطراف العالم يشاهد ويراقب ويضع الاحتمالات لاتخاذ القرارات.

وفي الجزئين القادمين من هذه السلسلة، سنخصص الأول منهما لفرص المتأثرين والمؤثرين من دون العرب، لننهي السلسلة بمقال عن فرصنا نحن العرب من تلك الحرب الدائرة في أوكرانيا، إذا ظلت محدودة ولم تتوسع.

مقالات ذات صلة

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى