fbpx
مقالات رأي

أوكرانيا حرب الفرص (2).. بقلم: ياسر عبد العزيز

وفي الجزء الثاني الذي نحن بصدده نحاول قراءة مواقف الأطراف الفاعلة والمؤثرة بل والمتأثرة في هذه الحرب التي نراها تمثل فرصا إيجابية لأطراف ستستفيد منها أو تحاول تعظيمها لتحصيل أكبر قدر من الاستفادة، في حال عدم إفلات زمام الفرس الجامح، ولرسن ذلك الفرس فعلى الجميع أن يطوقه قبل أن يثير الفوضى ويؤذي الجميع حتى نفسه.        

فرصهم في حرب أوكرانيا

الضمير هنا عائد على كل من أمريكا وأوروبا وروسيا والصين وأوروبا “غير الموحدة المواقف” تحت العلم الأزرق بنجومه الاثنا عشر، ومن بعيد تأتي دول من القارة الحمراء، فلكل من هذه الأطراف مصالح يريد أن يحظى بما تيسر له منها في هذه الحرب وزيادة، وأفرق هنا بين المتأثرين وبين المؤثرين في هذه الحرب، فنحن كعرب ومسلمين لا ناقة لنا في هذه الحرب ولا جمل، اللهم إلا بعض الفرص التي يمكن الاستفادة منها على مستويين، مستوى الأنظمة ومستوى الشعوب، وسنفرض لكل منهما مساحة في عنوان مستقل.

  • ولنبدأ بمن أشعل الحرب، وأعني هنا أمريكا، ولعل البعض ممن يشاهد الإعلام الغربي، أو حتى العربي المربوط بالغرب عضويا، سيرى في اشعال أمريكا للحرب قولا يعد من قبيل التجني، أو قد يصنف الكاتب مباشرة بآلية الاتهامات سابقة التجهيز على أنه يساري أو موالي أو ممول بمئة روبل ووجبة “كنتاكي روسية بالطبع”، لكن الحقيقة أن محاولات أمريكا الحثيثة من خلال حلف “ناتو” بوضع قواعد متقدمة لها على حدود روسيا هو ما أشعل هذه الحرب، لاسيما أن ما أوردناه في “الجزء الأول” من هذا المقال من وثائق ومراسيم ليس سريا بل هو منشور ومعلن، وتعرف أكثر من تفاصيله الأجهزة الأمنية للدول الأعضاء في الحلف، ما يعني أن تحريك البيادق لا شك سيثير الدب، ولعل أيضا النفخ في النار وإغراء الرئيس الأوكراني بالوقوف معه ضد أي تهديد روسي، حتى أنه دفع بعض الدول، في الاتحاد السوفيتي السابق، لكي تقدم السلاح لأوكرانيا كان أحد المثيرات للدب، كل هذا قبل أن يعلنها بايدن صراحة: ( ما أنا بمصرخك وما أنت مصرخي)، فالرجل ليس من النوع الذي تسعفه إمكانياته في أن يحارب المارد أو حتى يجرؤ على أن يخرجه، إذ أن إمكانياته وإدارته لا تمكنه من صرفه، ورحم الله إدارة عرفت قدر نفسها، مع ذلك فإن الرجل نفخ في شرارة الحرب، ليعود منذ أيام ليجمع قادة حلفه العسكري لينفخ من جديد تحت تأثير الرأي العام الداخلي والعالمي ليشهر سيفه من جديد ويعلن أنه لن يسمح بالمساس بدول الحلف، وماذا عن أوكرانيا؛ أوكرانيا ستساعد بتقديم معدات أمن سيبراني.

بايدن يستغل الفرصة في حرب يراد لها أن تطول، دون أن تتسع، ليلملم شتات القاصية من قطيع أوروبا الذي شرد منه، وبدأ يقرأ في التاريخ ويحلم من جديد بقوة ردع أوروبية عوضا عن الحماية الأمريكية التي جعلت ترامب يطالبها بالجزية، كما أن الحرب تعد فرصة لمصانع السلاح الأمريكية أن تنشط بعد أزمة كورونا والكساد البادي في الأفق منذ 2019 ما يعني مزيداً من فرص العمل وتقليصاً لعجز الموازنة العامة، وفرصة لمزيد من انتاج النفط، ولو على المستوى، البعيد للتخلي عن نسبة الــ 8% التي تأتيه من روسيا، ومع مزيد من العقوبات التي تفرضها أمريكا والغرب على روسيا ستضعف الأخيرة، لاسيما أن واشنطن استطاعت استصدار قرار بتجميد مشروع خط أنابيب نورد ستريم 2 من ألمانيا المترددة، ما يعني ضرب أمريكا للعلاقات الروسية الأوروبية التي رسخها خط النفط، وبعد حشد الرأي العام الأوروبي ضد ألمانيا اتخذت القرار، وخشيت برلين أن تفقد زعامتها الأوروبية، بالظهور بمظهر الساعية لمصلحتها الضيقة على حساب الاتحاد، قبل أن يعود مستشارها شولتس ليؤكد أن الاستغناء عن النفط الروسي صعب وإن كان يسعى إلى تنويع مصادر طاقة وصفها بالموثوقة.

  • وعلى الطرف الآخر ترى روسيا أن الحرب تعد لها فرصة لرسم جدار عازل عن نفوذ حلف ناتو واحترام الخطوط الوهمية التي رسمها بوتين على الخريطة لأمن بلاده القومي، وهو ما كان ليقبل إلا بضريبة يدفع ثمنها الطرف الأضعف في المعادلة، وتطبيقا لنظرية الضربة الاستباقية التي نفذها الرئيس الأمريكي جورج بوش في العراق أرادت روسيا أن تطبق النظرية الأمريكية على حليفها المحتمل، ولعل بوتين استهدف أيضا من هذه الحرب أن ينتهز الفرصة للضغط على أوروبا بورقة الطاقة، رغم عدم استخدامها حتى الآن، إلا أن العالم كله يئن من احتمالية استخدامها، ولا ريب أن الحرب في أوكرانيا ستعيد تشكيل تكتلات مناهضة للغرب الذي تقوده أمريكا، وتحيي روح التمرد على القطب الأوحد، وهو ما يحاول بوتين فعله من خلال الصين ودول شنجهاي ودول بريكس، إلى جانب بعض الدول من خارج تلك التجمعات، لكن يجمعها بها رفض الهيمنة الأمريكية، كإيران وتوابعها في العراق واليمن وحزب الله الضاغط على القرار في لبنان وفنزويلا، وهي الفرصة التي تستطيع بها موسكو تطويق المشروع الغربي لتوزع الحلفاء المحتملين فيما لو استطاع إحياء روح التمرد فيهم، ومع الجزم أن فاعلية تلك العلاقات أو التجمعات ليس بقوة التجمع الغربي من عدة أوجه إلا أنه في حساب موازين القوى وفضاءات التواصل الدولي والتمدد الجيوسياسي سيكون له أثر طويل الأمد فيما لو أصبحت هذه التجمعات قوية واستمرت في فتح الباب للمزيد من الدول للانضمام له والانعتاق من أربعين سنة من حكم القطب الواحد.
  • في سنة 2008، وأثناء الأزمة الجورجية، علق الرئيس البولندي حينها ليخ كاتشينسكي قائلا: “اليوم جورجيا وغدا أوكرانيا، وبعد غد دول البلطيق، وبعد ذلك ربما سيأتي الدور على بلدي”، هذا الخطاب الذي يستدعى الآن في أوروبا، فبين أمريكا التي تحارب من بعيد وروسيا التي ترى تهديدا لأمنها، تقف أوروبا لتنفض عن نفسها غبار التبعية الأمريكية وتلملم شتات روحها التي مزقتها بريكست الملهمة للدول والأقاليم ما يعني مزيد من التفسخ والتحلل، فلقد أفرزت الحرب الأدرينالين في الجسد الأوروبي مخافة العودة إلى تهديدات الاتحاد السوفيتي، وتطلعات الإمبراطورية الروسية أو على الأقل صقيع الحرب الباردة وما تعنيه من ميزانيات دفاع وجهت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إلى مشاريع تنموية، وعلى التوازي لا يمكن إخفاء رغبة أوروبا في تقليم مخالب الدب الروسي حتى ولو بطريق العقوبات، وتعيد إحياء حلف قد أكل الدهر عليه وشرب وهو ما وفرته فرصة الحرب في أوكرانيا.
  • أما الصين الواقفة، شكلياً، على الحياد، فلا تمانع، بل تشجع أن تكون روسيا خط دفاع أول لها في صراع طويل الأمد، تكسب فيه الوقت في مشروعها الحلم “الحزام والطريق” من ناحية ولتستعيد أنفاسها في خطة طويلة لبناء إمكانياتها العسكرية للتحضير للصراع القادم مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أنها ترغب في مواجهة روسية مع الغرب وأمريكا تحديدا، إلا أنها لا مانع عندها أن تنتهز الفرصة لكي تظهر بمظهر الراعي للسلام، وهو ما أكد عليه رئيس جمهوريتها في اتصاله بالرئيس الأمريكي، ووزير خارجيتها ومندوبها الدائم في الأمم المتحدة في كل المحافل الدولية.
  • تركيا الساعية لوقف الحرب ترى في الحرب الدائرة في أوكرانيا فرصة بأن تظل خط الدفاع الأول عن الغرب والحافظ لأمنه من التقدم الروسي، فوجود قواعد لحلف ناتو في أوكرانيا يحرمها من هذه المكانة، ولعل حديث الرئيس التركي في القمة الاستثنائية للحلف منذ أيام يؤكد ذلك حيث طالب برفع الحظر عن تصنيع الأسلحة في بلاده، ويغازل من جديد الحلف الذي منعه منظومة الباتريوت والطائرة الأمريكية (اف 35) فلعل عودة التصنيع العسكري لحلف ناتو فرصة قد تحوزها تركيا من جديد، ولعل أيضا تحركات تركيا الدبلوماسية في الأزمة تضعه من جديد في دائرة ثقة البلاد التي توترت علاقاتها بها خلال الأعوام الماضية، ولعل اللقاء الدافئ مع ماكرون دليل.
  • الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول الظهور كما الصين على الحياد، استفادة بمزيد من المهاجرين الأوكرانيين الذين أتوه على طبق من ذهب وعلى نفقة المجتمع الدولي ويمكن ان يقايض بهم راكبا موجة استقبال اللاجئين، وتقدم تل أبيب نفسها على انها وسيط مقبول لأطراف الصراع وعلى المستوى الدائري الأوسط والمتمثل في أوروبا وأمريكا من جهة وروسيا من جهة أخرى، لكن دور حمامة السلام التي تظهر به تل أبيب يخفي وراؤه طائرا جارحا يريد ان يستفيد من الفرصة لينقض على المقاومة في غزة.
  • واستفادت كذلك إيران من تخوفات أمريكا من تشكيل روسيا محور يضم إيران لاسيما وأن الأخيرة في مفاوضاتها في الملف النووي بدأت تضغط في ظل إدارة مائعة من الولايات المتحدة الأمريكية للملف وحصلت مكاسب كبيرة، تظن أمريكا أنه يمكنها ان تحيدها بتقديم تنازلات أكبر مقابل تعهدات أكثر، وهو ما جرب معها في إدارة أوباما ولم ينجح، والنتيجة مقاتلين من الموالين لها وصلوا بالفعل إلى أوكرانيا للقتال إلى جانب القوات الروسية!

وهناك في القائمة الكثيرين الذين تتاح لهم الفرص من الحرب في أوكرانيا، وفي الجزء الأخير من هذا المقال سنسلط الضوء على الفرص التي اتاحتها حرب أوكرانيا للعرب.

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى