fbpx
مقالات رأي

على وقع تغيير جذري في بنية السلطة: آفاق الحل واحتمالاته في اليمن

كما كان متوقعاً لم تكن المشاورات التي استضافتها الرياض، تحت المظلة الإسمية لمجلس التعاون الخليجي، سوى ذريعة احتفالية لتمرير ما يمكن وصفه بانقلاب كامل في بنية السلطة الرئاسية فقد فيها الرئيس هادي منصبه مرغماً على ما يبدو هذه المرة حيث لا سبيل أمامه للمناورة، فقد استنفد دوره بالكامل بالنسبة لاستراتيجية التحالف لحسم الصراع في اليمن وفقاً لأولوياته وليس طبقاً لما تقتضيه المصلحة العليا لليمن.

وعلى الرغم من أن مشاورات الرياض لم تبدأ بشكل طبيعي كما لم تنته بشكل طبيعي، فإن القرار الذي طوى صفحة هادي المثيرة للجدل لم يكن نتيجة لهذه المشاورات بقدر ما حاول المنظمون إظهار أن التغيير جاء تعبيراً عن إرادة الشعب اليمني من خلال ممثليه في هذه المشاورات.

لكن ذلك لا يعني أن الصيغة الحالية تمت رغم إرادة الأحزاب ذات الوزن الثقيل ومنها على سبيل المثال التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام، وهما اللذان أيدا التغيير في بنية السلطة، وبقي المؤتمر الشعبي العام مهيمنا على الرئاسة فيما قبل الإصلاح بالمشاركة بعضو واحد بين 8 أعضاء هم قوام مجلس القيادة الرئاسي الجديد، بالإضافة إلى ممثلين له في هيئة التشاور وفي الفريق القانوني واللجنة الاقتصادية.

الحوار عنوان التغيير

ولأن هذا المقال يعنى أساساً بالتنقيب عن الفرص الممكنة للوصول إلى حل للأزمة والحرب، فإن صيغة الإعلان الدستوري التي وقعها الرئيس هادي، تشير بمضمونها إلى أن الهدف الرئيسي هو توحيد جبهة الشرعية لا لخوض معركة الحسم ضد الانقلابيين الحوثيين، حيث يتصدر الحوار مع الحوثيين مهام هذا المجلس، بل أن تركيبته والهيئات التي استحدثت كلها تشير إلى أن التغيير ليس بدافع الحسم ولا يحتمل تحولاً في الأداء العسكري الذي ينتظره اليمنيون.

الإعلان الدستوري ركز بشكل واضح على المهمة الرئيسية لمجلس القيادة الرئاسي وهي الحوار مع الحوثيين، وقد جاء بيان الترحيب السعودي بتشكيل هذا المجلس في هذا الاتجاه إذ حث المجلس على الحوار مع الحوثيين، والأمر يتعلق بمحاولة سعودية ربما لشرعنة ما أقدمت عليه ولإظهار أنها تصب في إطار مهمة إنهاء الحرب ليس إلا.

أوكل الإعلان الدستوري إلى مجلس القيادة الرئاسي مهمة توحيد القوات، وصياغة عقيدة قتالية موحدة، وهو أمر من المؤكد أنه إن تم فسوف يهيئ الفرص لتحقيق إنجازات عسكرية بقي التحالف على مدى الأعوام الماضية من زمن الحرب يحول دون وجودها ويعطل قدرات المقاتلين خصوصاً من الجيش الوطني الذي تحمل العبء الأكبر من المهام القتالية ذات الطبيعة الملحمية والاستنزافية، بالقياس إلى الدعم الكبير الذي كان التحالف يقدمه لبقية التشكيلات المقاتلة في المعارك المحدودة التي خاضتها ضد الحوثيين خصوصاً في الساحل الغربي للبلاد.

لم يبق أمام التحالف من ذريعة اليوم للاستمرار في تعطيل العمل العسكري وتأمين الكفاءة المطلوبة للقوات المسلحة التابعة للشرعية، فهذا التغيير لم يدع مجالاً للهروب من قدر المواجهة المتأخرة كثيراً مع الجماعة الحوثية الانقلابية، وليس مستبعداً أن تتطور المواجهات العسكرية إلى معركة شاملة وحاسمة، وحينها يمكن لليمن أن يصل بالفعل إلى نهاية مشوار الحرب الطويلة التي عصفت به وبمقدراته وبأحلام شعبه.

ما من شك أن الإعلان الدستوري الذي أصدره هادي ليكون آخر قرار في خاتمة حياته الرئاسية المثقلة بالإحباط والتخاذل والفشل، سيلقي بتأثيراته على التحركات الأممية وقد يضفي على قرار الهدنة الذي مثل محصلة جهود أمريكية كثيفة بذلت من قبل الإدارة الديمقراطية بالتزامن مع النقاشات التي كانت تضغط باتجاه إعادة تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية أجنبية.

هذا الأمر مرهون بالتأكيد بردود الأفعال التي ستصدر عن الدول العربية والإقليم، والمجتمع الدولي والأمم المتحدة، وعما إذا كانت هذه الأطراف ستتعامل مع هذا التغيير في إطاره الدستوري الطبيعي أم أنها قد تساعد في تشجيع التوجه نحو تعويم خطير محتمل للسلطة في البلاد، وحينها سيصعب الحديث عن نهاية وشيكة للحرب، خصوصاً إذا اهتمت سلطة الأمر الواقع للحوثيين بصنعاء بالخوض في نقاشات من هذا النوع لتبرير السلطة والنفوذ اللذين آلا إليها منذ العام 2014 إثر انقلاب نفذوه على سلطة الرئيس هادي الانتقالية.

دعم سعودي كبير للسلطة الجديدة

وضعت السعودية كل ثقلها خلف التركيبة السلطوية الجديدة، فسارعت إلى الإعلان عن تقديم مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار في شكل وديعة لدى البنك المركزي في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، ودعت إلى مؤتمر دولي لحشد الموارد وتقديم الدعم للاقتصاد اليمني، كما حرص ولي العهد السعودي على لقاء أعضاء المجلس الرئاسي الجديد، وأبدى دعم السعودية القوي للمجلس، لكن يبقى أن تتوالى ردود الأفعال الإيجابية تجاه هذا التغيير المدعوم سعودياً خصوصاً من جانب دول مجلس التعاون الخليجية التي حرصت المملكة على أن يأتي هذا التغيير بغطاء مشاورات عقدت في مقر الأمانة العامة للمجلس في الرياض.

كان الاهتمام السعودي الإماراتي من خلال مشاورات الرياض التي انتهت على هدف الاستحواذ على السلطة الشرعية، مجردة من قوة القرار الدستوري ومن المعنى الجوهري للتمثيل السيادي لليمن، ومنفتحة على دور جديد يعكس بشكل حرفي التصدعات الحالية في معسكر الشرعية والتناقضات الحادة في المشاريع السياسية التي أُنتجت مع إنتاج المكونات الطارئة ومنها على سبيل المثال المجلس الانتقالي الجنوبي ذي الأجندة الانفصالية، والذي أصبح رئيسه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، وكذا قوات الساحل الغربي، بقيادة العميد طارق الذي أصبح أيضاً عضوا في المجلس الرئاسي وكانت مهمته تنحصر ضمن أجندة إعادة إنتاج نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وإنتاج دكتاتورية جديدة.

إن ما خطط التحالف للحصول عليه من الشرعية، لا يتفق أبداً مع طبيعة الإنجازات العسكرية التي أنتجت خريطة نفوذ يستقطع الحوثيون المرتبطون بإيران الجزء الثمين منها، حيث تتركز سيطرتهم على العاصمة السياسية وعلى الجغرافيا الحاضنة للكتلة السكانية الأكبر في البلاد، بالإضافة إلى إمكانيات الدولة اليمنية ومقدراتها وخبرتها ونفوذها، في حين وضعت الشرعية ورجالها عن سابق إصرار من التحالف تحت ضغط شديد لا يكاد يتجاوز حدود الدفاع المستميت عن النفس وبأقل الإمكانيات.

الأمر لا يتعلق فقط بأن المعركة توقفت في منتصف الطريق، بل أن هدنة الشهرين قدمت هدية للحوثيين الذين أوقفوا إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على العمق السعودي والإماراتي في مقابل التوقف الكامل لنشاط الطيران الحربي.

فها هم يركزون كل جهودهم لخوض معارك حاسمة في كل الجبهات تقريباً وفي مقدمتها جبهات مأرب، وتعز والضالع وحجة، مستفيدين من تفوقهم الناري على خصومهم الذين حرمهم التحالف من التسليح ومن الإمكانيات الضرورية لصد هجمات الحوثيين والكر عليهم وتحقيق الانتصار الذي تتوفر له كل الإمكانيات غير أنها وضعت في أيدي قوى عسكرية تتموضع خارج المشروع الوطني وخارج نفوذ الشرعية بل تنازعها النفوذ والسيادة في المناطق التي يصر التحالف على أنها محررة.

هذا المعطى العسكري من الواضح أنه كان جزءا من سياسة الضغط عبر تعريض قوات الشرعية لتهديد عسكري كبير يمارسه الحوثيون حالياً في جبهات القتال، وذلك رغبة من التحالف في الحصول على تنازلات جوهرية عبر مشاورات الرياض، اضطرت معه بالفعل القوى السياسية الرئيسية المشاركة فيه على تقديمها، حرصاً منها على سلامة مراكزها الحيوية خصوصاً في محافظة مأرب وتعز والضالع وقد كان.

والأهم من ذلك في تقديري هو الحرص على فرض قيادات ذات توجهات جهوية واضحة، من المعروف أن التحالف استثمر في إعادة تأهيلها ضمن مشاريع شديدة العدائية للوحدة اليمنية وللسلطة الانتقالية التي جاءت بعد ثورة شباط/ فبراير 2011.

وأعود للحديث عن الحل، والحقيقة أن التحالف بقيادة السعودية قد نجح في تأسيس مرحلة جديدة استوعب من خلالها المشاريع السياسية المعادية ومنها المشروع الانفصالي وإعادة إنتاج نظام شمولي.

وإن كان التحالف قد أراد من خلال الإعلان الدستوري وتغيير شكل الرئاسة وإقصاء هادي ونائبه أن يضمن التحكم بشكل كامل في شكل التسوية المقبلة في اليمن، وشكل الحسم ونتائجه وإن كان من البعيد جداً أن يخوض التحالف معركة حاسمة مع الحوثيين تنهي وجودهم في المشهدين السياسي العسكري. وعليه فإن مشاورات الرياض المنقضية أريد لها أن تكون خطوة باتجاه الحل الذي يفترض خوض جولة مشاورات مع الطرف الآخر والأهم في الحرب وهم الحوثيون، أو أنها ربما تتحول إلى خطوة باتجاه الحسم العسكري معهم.

وفي موازاة ذلك يرتفع منسوب التفاؤل لدى الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن، والعواصم الغربية بانعقاد هدنة الشهرين، وإمكانية الانتهاء من خطة الحل متعددة المسارات التي أعلن عنها المبعوث الأممي، وهو ما قد يعني استيعاب الطموحات السياسية والعسكرية للحوثيين، وهو توجه لا أظن أن السعودية تؤيده أو أنها مستعدة للتعاطي مع نتائجه الكارثية بالنسبة لأمنها القومي خصوصاً إذا تجذر نفوذ الحوثيون وتعززت سلطتهم في شمال البلاد.

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى