fbpx
مقالات رأي

أوكرانيا حرب الفرص (3) بقلم: ياسر عبد العزيز

استعرضنا في (الجزء الأول) من هذا المقال، بالوثائق، كيف تنظر روسيا عبر مخططيها الاستراتيجيين لأوكرانيا ودول جوارها، لا نظرة حدود بقدر نظرتها لجوارها من زاوية الأمن القومي، لاسيما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتمدد حلف ناتو باتجاهها، لنذهب في (الجزء الثاني) إلى فرص دول العالم من غير العرب من الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا بداية بالولايات المتحدة الأمريكية الرابحة حتى الآن رغم الدم الذي لازال يجري، مرورا بروسيا وأوروبا والصين وصولا لإيران وفنزويلا اللتان اغتنمتا فرصة الحرب لتحصيل بعض المصالح. 

فرصنا في حرب أوكرانيا

الضمير في فرصنا عائد علينا نحن العرب، وأفرق هنا بين طبقتين من العرب، طبقة حكام العرب وهي الطبقة التي ترسم السياسات وتنفذها وتناور بها سواء على صعيد العلاقات الخارجية لبلادها أو على صعيد الداخل المفعول به على العموم من الشعوب الراضخة لتلك السياسات المتأثرة في الغالب بخريطة العلاقات الخارجية للدول العربية، ولما كانت الطبقة الأولى هي المؤثرة، فسنبدأ قراءة فرص تلك الطبقة، أو فرص الدول العربية من حرب أوكرانيا.

  • فرص الأنظمة العربية في الحرب

وعلينا بادئ ذي بدء أن ننوه أنه من السذاجة أن نجمل موقف الدول العربية كوحدة واحدة، فبالرغم من مرور ما يقارب الــــــ 77 عاما على إنشاء الجامعة العربية، إلا أن موقفا موحدا لأي من القضايا المصيرية للأمة لم يصدر إلا فيما ندر – حرب فلسطين وحرب أكتوبر – لذا فلا يمكن أن نقول إن حدودا سياسية خارجية موحدة ترسم من قبل الدول الأعضاء أو من الأمانة العامة يمكن من خلالها فهم شكل السياسة الخارجية للمنظمة تمثل أعضاءها، فحتى أعضاء مجموعة الاتصال بروسيا التي شكلتها الجامعة بعد الحرب ليسوا على موقف واحد، وإن شئت راجع الأسماء فستجد أن منها من يرسل مقاتلين للحرب إلى جوار روسيا، مع ذلك فإن سيطرة بعض الدول الكبيرة على الجامعة قد يخط بعض المحددات وإن كانت غير ملزمة في النهاية، لذا يمكن تصنيف المواقف الرسمية للدول العربية لثلاث، مجموعة أيدت الغزو الروسي وبررته، وأخرى انحازت على خجل الى موقف الدول الغربية المندد بالحرب، وثالثة فضلت الظهور بموقف التزام الحياد في الصراع.

فدول الخليج النفطية مثلاً، شهدت جولات مكوكية قبيل بداية الحرب وخلال الشهر الأول منه تخللتها اتصالات موسعة من قادة الغرب أملاً في توفير النفط والغاز البديل تحسبا لقطع روسيا الإمدادات، مع ذلك فإن أغلب دول الخليج لم تخضع لتلك الضغوطات، رغم وجود ما يمكن المساومة عليه، بل الورقة التي تم اللعب بها هي ورقة وجودية، أمن تلك الدول، لكن الخليج لعب بورقة الطاقة لثاني مرة بشكل يراه المراقبون أكثر من جيد، فبعد سلاح النفط الذي مثل عامل مهم في معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973 ، استفاد الخليج من ورقة النفط في حرب أوكرانيا، مع فارق يمكن تفهمه، سواء من ناحية المرحلة أو الرجال، فلقد كانت حرب أوكرانيا فرصة جيدة لتلقين العم سام درسا، سيستفيد منه لا شك، في أهمية العلاقة الاستراتيجية مع الخليج، وأن ما تقوم به أمريكا الآن من تنازلات لإيران في ملفها النووي، ما هو إلا تهديد لأمن الخليج الحليف الاستراتيجي والأمني لأمريكا، والذي لم يبخل يوما ما بثرواته للغرب في علاقة تبادلية ارتضاها الطرفان.

فبين الحياد “المنحاز” وبين الانحياز “المحايد” لعبت كل من السعودية والإمارات بتنسيق، أو بلا تنسيق، دورا مهما في مراجعة إدارة بايدن نظرتها للخليج عموما، وللسعودية خصوصا، ولعل زيارة بايدن المرتقبة للسعودية خلال الشهر الجاري، كما يدور الحديث الآن، لهو انتصار لولي العهد، كما أن طلبات المملكة ودول جوارها من أسلحة منعت من قبل لا أستبعد أن تحضر من أجل إعادة صياغة علاقة أكثر دفئًا مع دول الخليج، فلا شك أن الوضع سيكون صعبا إذا ما طال أمد الحرب، لاسيما وأن أمريكا والدول الغربية بدأت تسحب من الاحتياطات الاستراتيجية للنفط، وهو منصة مهمة يمكن للمعارضة أن تقصف الحكومات الغربية منها، ولأن أمريكا تستعد للتجديد النصفي للكونجرس، فإن إغلاق هذا الباب مهم جدا من أجل تمرير سياسات البيت الأبيض.لاشك أن هناك أنظمة عربية تأثرت من الحرب، لاسيما على مستوى الأمن الغذائي لكنها في المقابل استفادت من دعم عربي لتعويمه، فلا بد من إظهار موقف أكثر توحداً لتحصيل مكاسب أكبر لصالح دول خليجية أتتها الفرصة ولا يمكن التفريط فيها، وهناك من الدول من استفادت من تدفق الأموال الروسية إليها بعد العقوبات الغربية على موسكو.
يرى البعض أن دولاً عربية مؤثرة، كانت تنتظر اللحظة لتقفز من قطار أمريكا، ذلك أن الكل كان ينتظر عملية خاطفة كتلك التي حدثت في القرم، لكن ومع تبدل الظروف وما أبدته أوكرانيا من ثبات حتى الآن وظهور روسيا بموقف المتردد وغير القادر على الحسم، بدأت المواقف تتبدل، مع الحفاظ على طرف الخيط، وهو ما يمكن فهمه من ذلك الــــــ “ناتو” العربي (الإسرائيلي) والذي بدأت ملامحه تتشكل في زيارات رئيس وزراء إسرائيل للمنطقة، ثم اجتماع النقب لوزراء خارجية بعض الدول العربية مع رئيس وزراء الكيان المحتل، يظهر الأمر على أن هناك علاقات جديدة تتشكل بعيداً عن أمريكا، وهو ما جعل الأخيرة تنضم لتلك الاجتماعات لتثبت موقف، وتقول أنها لازلت هنا.

  • فرص الشعوب العربية في الحرب

الحديث عن فرص الأنظمة لو عددناها لن ينتهي فالتحولات كثيرة والتحرك في المربعات أكثر ولعل الأحداث بعد ما يقارب الشهرين تظهر النوايا ما يكشف الفرص ومساحات الفرص بالنتيجة، لكن ماذا عنا نحن الشعوب، أليست الحرب فرصة لنا، أليست الحرب كاشفة لكل المبادئ والايدولوجيات سواء في شرق العالم أو غربه، ألم تظهر تلك الحرب سياسات الجميع، وهنا أنا لا استثني أحد، سواء الفاعل أو المفعول به، سواء المؤثر أو المتأثر.

لقد كشفت الحرب عن أزمة في سلاسل التوريد تأثر البعض بها كلياً، وتأثر البعض جزئياً، فمن أزمة نفط وغاز إلى أزمة قمح وحبوب حتى الانتاج الحيواني ووارداته تأثرت وأثرت على أسواق بلادنا، وكشفت سياسات الأنظمة أن لا حلول بديلة ولا سريعة، ما يرسخ فكرة الجمود الفكري الذي تعيشه تلك الأنظمة، وعدم رؤيتها الاستراتيجية، وعدم وجود حلول بديلة في أوقات الأزمات، رغم وجود معاهد لتخريج قادة في إدارة الأزمات، غالبا ما يكونون من العسكريين، وهذه مخرجاتهم بالطبع، فلقد عرت الأزمة أو الحرب حقيقة تلك الكراسي التي تنفق المليارات على اجتماعات ومؤتمرات وحراسات وسيارات على لا شيء في النهاية، هل تعلمون أن بعض الدول لو طالت الحرب أكثر من شهرين ستجوع، هل تعلمون أن بعض الدول بالفعل تسحب من مخزونها الاستراتيجي من الغذاء والطاقة، طبعا مع حالة الغلاء المجنون الذي يأكل الطبقات ويقصفها كل يوم ليرديها أو يحيلها إلى حطام، قد يكون الأمر مقصوداً من الحكومات فلقد اعتدنا ذلك منذ أن تحررت بلادنا على أيديهم، وقد يكون من غير قصد، وفي الحالتين، فنحن ضحايا القهر أو الغباء.

وعلى صعيد المبادئ التي بشر بها الغرب وآمنا بها كدينٍ وطريقة للحياة، من عدالة ومساواة وحرية، على طريقتهم، كشفت الحرب زيف هذه المبادئ وكشف المبشرين بها فالديمقراطية لهم، والليبرالية والحرية والعدالة والمساواة لهم، ولعل تصريحات صحافييهم وبعض مشاهيرهم وقادة العمل السياسي لديهم كشفت حقيقة تلك المبادئ، والكل تابع ولا مجال لسرد الأمثلة، لذا فلا عجب أن ينقلب على رئيس جاء منتخباً، ولا يذهب فكرك لبعيد، أنا أريدك أن تذهب أبعد، وحديثي عن عمران خان، رئيس وزراء باكستان، الذي آثر الحياد فدبروا له محاولة انقلاب، بل هناك حديث عن محاولة اغتيال.

لقد أتت الفرصة لتوجيه ضربة للهيمنة الغربية ولعل الشعوب ولأول مرة تتفق مع الأنظمة في هذا الشأن، وإن كانت الشعوب تريد الانعتاق بينما تريد الأنظمة تعديل شروط التعاقد، لكن لا ضير فما لا يدرك كله لا يترك جله، لماذا لا نطالب بتخفيف التعامل بالدولار واليورو لصالح العملات المحلية مع الدول الأكبر في سوق الواردات، كالصين وروسيا وتركيا، كل بحجمه، ولعل الطلب الروسي بشراء الطاقة بالروبل فرصة، نعم تراجعت روسيا عنه جزئيا، لعدم إمكانيته حاليا، لكن لو لاحظتم، هناك من الدول من رضخ قبل ذلك التراجع، لماذا لا نطالب بآلية تحويل أموال موازية لنظام سويفت كآلية تركيا أو الصين ونخفف شيئا فشيئا من هيمنة ومراقبة أمريكا على تحويلات العالم المالية، لماذا لا تكون أزمة الغذاء فرصة لأن نطالب بخطط اكتفاء ذاتي، متعللين بعدم قدرة العالم على توفير غذاءنا وقت الأزمات، وتكون حرب أوكرانيا فرصة، لماذا لا نطالب بمشاريع صناعية بدلاً من العمرانية لاستيعاب الأيدي العاملة وفتح فرص عمل للشباب العاطل، لنزيد من الناتج المحلي ونوفر العملة الصعبة التي نقترض كي ندفع بها حاجاتنا المستوردة، لماذا لا نطالب بالتحول من الاقتصادي الريعي لبعض الدول إلى الاقتصاد المنتج.

فرصتنا أن نستعيد الحقيقة، حقيقة أننا أمة لا تزال حية، وأن الغرب خدرنا لعقود، وأن الأنظمة تتحرك في مساحات لا تتلاقى مع مصالحنا، وأن الزيف الذي يحكم العالم يجب أن نبدله بحقيقة منطلقاتنا ونثق في تلك المنطلقات فلقد حكمت تلك المنطلقات العالم لما يزيد عن الألف عام ما زادته إلا عدلا، فرصتنا أن نتعرف على أنفسنا من جديد، ونعيد النظر لإمكانياتنا ونوظفها لنعيش بين كبار هذا العالم كباراً ونحن نستحق، كل ما علينا الحركة والحركة السريعة فيمكن أن نحقق ذلك من الفرصة المتاحة ونصنع من الفرصة ألف فرصة، يقول فرانسيس بيكون: “الرجل الحكيم يصنع من الفرص أكثر مما يجد”.

اترك تصحيحاً أو تعليقاً..تفاعلكم يطور عملنا

زر الذهاب إلى الأعلى